drawas

thapet-alahmady.jpg

تحيّة يمانيّة خالصَة 

ونحنُ في هذا الظّـرف العصيب، وكل ظروفنا عصيبة، وبعد أن فشلت النخبة السياسيّة اليمنيّة خلالَ ما يزيدُ عن خمسين عامًا مضت في تثبيتِ أركان الجمهوريّة والوحدة، في الشمال والجنوب على حد سواء، أعتقدُ ــ جازمًا ــ أن الدور الثقافي المنوط بنا بدأ الآن، وهو دورٌ يتأتى من منطلقي: "التحدي والاستجابة"، فما دامت الأخطارُ تتزايدُ يوما بعد يوم، فإن الواجبَ أيضا بمقابل ذلك يتزايدُ يوما بعد يوم، وكلما اسودتْ حنادسُ الليل كنا مطالبين أكثر أن نسرجَ الضوء، وكلما دبّ اليأسُ إلى عزائم الأمّة اقتضتْ مسؤليتُـنا التاريخيّـة أن نقدحَ شرارةَ الأمِل بين وجدانِ شعبنا اليمني العظيم. ومن العَار والشّـنار أن نستسلمَ لوحشية العَـتَـمة، وأن نقفَ مكتوفيْ الأيدي، مسلوبيْ العُـقول.

 

زملائي الأعزاء.. لم نعد نتكلمُ عن النظام السياسي، ولا عن الوحدة اليمنيّـة، ولا عن ثورتي 26 سبتمبر و 14 أكتوبر، فتلك أمنياتُ آبائنا غربتْ شمسُها، أو تكاد، وهي تلفظُ أنفاسَها الأخيرةَ اليوم، بسبب تقصيرهم بالأمس. نتكلمُ عن أفقٍ أوسَـع، ومَـدارٍ أرحب، وهو الهُـويّة التاريخيّـة لشعبٍ ضاربٍ بجذوره في أعمقِ التاريخ منذ آلاف السنين. وهي آخر الرهانات العتيْـدة في وجه القوارضِ الآدميّة المتوحشَة التي يجب الحفاظ عليها، وغرسها في نفوسِ الناشئة من الجيل الجديد، في الشمال والجنوب، الرهان الذي قد يستعيدُ كرامتنا وكرامة شعبنا يومًا ما، ولو بعد حين.

 

نحنُ هذي الأرض فيها نلتظيْ وهــي فينا عنفـــوانٌ واقتتـال

من روابي لحمنا هذي الربى من رُبى أعظمنا هذي الجبال

 

إننا ندركُ ــ بيقينٍ صُوفي ــ أن قضيتَـنا عادلة، وأن براهينَها جليّة، ومشكلتنا أننا بلا قوة تسند هذا الحق، وأولى هذه القوة القائد التاريخي الذي يستلهمُ الحلولَ في الأوقات الحاسمة، وفي أصْعب لحظات التحولات، كما يفعلُ القادة العظماء. ونعترف ــ اعتراف المُقصِّر ــ أن قضيتَـنا اليمنيّـة لم تعد يمنيّة؛ بل في أيدي اللاعبين الكبار، إقليميًا ودوليًا، وتلك إحدى معالم تعقيداتها المركبة. وقد يُصادرُ اللاعبون الكبار قرارَنا السّياسي؛ لكنهم لن يستطيعوا خطفَ الفكرِ أو محوَ الثقافة، كسلاحٍ وحيدٍ تبقّى في أيدينا.

 

زملائي الأعزاء.. نخُـطُّ سُطورَ قضيتنا اليومَ بدماء قلوبنا لا بمداد أقلامنا. نستلهمُ من مجدنا الغابر جسورَ المستقبل، فلسنا شعبا لقيطا، أو دولة طارئة؛ بل أمة تشكلت من تربة الأرض وقبلات المطر، منذ فجر التاريخ، وقد تمرض هذه الأمة؛ لكنها لن تموت، وستستعيد مجدَها يوما ما.

 

زملائي الأعزاء.. لنضعْ من الآن استراتيجيّـتَـنا الثقافيّة الفكريّة، بأفكار مدروسةٍ وخطى ثابتة، ولنحافظ على حقوقِ أجيالنا القادمة؛ أما حقوقُنا نحن فقد ذهبت أدراجَ الرياح، وهذا قدرُنا التاريخي، ولا نريد لأبنائنا غدًا أن يشربوا من نفسِ الكأس التي نشربها اليوم، بسبب تقصير آبائنا بالأمس. هذا أوجب الواجبات علينا اللحظة، ما لم فستحل علينا لعناتُ الأجيال القادمة عن جدارة واستحقاق. ومن حُقوقِ أبنائنا علينا الحفاظ على هُـويتهم التاريخيّة، وثقافتهم الوطنيّة الأصيلة، وتعزيز ثقافة الوحدة والجمهورية و26 سبتمبر 62م، و14 أكتوبر 63م. كمحطاتٍ ثقافيّة وطنيّة وتاريخيّة موحدة. يجب تعزيز ثقافة التسامح، وإشاعة روح المحبة، وثقافة السّلام والوحدة، سلوكا عمليًا على أرض الواقع، مهما خيّم علينا دخانُ السياسة، ومهما ازدادت قتامةُ المشهد السياسي، فالثقافة الواحدة قمينةٌ بصناعةِ نظامٍ واحد، وتأثيرها في وقت الحاجة إليها أكثر، فلم تتشكل الثقافة اليهوديّة، ولم تتفجرْ ملكات الإبداع، وينابيع الفكر بتلك الروح الموحدة إلا أيام السبي البابلي العصيب الذي صاغ الشخصية اليهودية، وصاغَ تلمودَهم المقدس الذي حفظ هُـويتهم الدينية والعرقية إلى اليوم، فيما التلمود الفلسطينيْ الذي كُتب في الظروف الطبيعيّة لا مكانة له عندهم إلى اليوم. ولنعلم جميعًا أنه لا يصنعُ الفردَ ولا الأمةَ ولا الشعوبَ كالتحديات القاهرة التي تتخلقُ معها الاسْتجابات الطبيعيّـة، كما تقررُ قوانينُ الجدل الماديّة الثلاثة، وسيفضي التزايدُ الكمّي إلى التحوُّل النوعي عما قريب، وهي سُنة طبيعيّة في الخلق والكون. ومن يقرأ تاريخنا السّياسيْ يجد أنّ مثل هذه الأحداث قد حصلتْ كثيرًا، لا في اليمن فحسب؛ بل في كل دُول العالم، فبين كل حقبةٍ من حقبِ التاريخ تتقدمُ أممٌ وتتأخرُ أخرى، وتبقى الركائز الثقافيّة هي الروحُ التي تسري بين الشُّعوب وتتوارثها الأمّةُ جيلا بعد جيل، وبين يدينا في العصر الحديث ألمانيا التي تشـظّتْ إلى ثلاثين دولة حتى لملمَ شتاتها "بسمارك"، وأسّسَ الرايخ الألماني الثاني، وهي اليوم واحدةٌ من الدول العظمى، ومن أكبر اقتصادات العالم. وذات الشأن أيضًا مع فرنسا، التي آلت إلى دولة عظمى، وقد وصلَ الجيشُ الروسي إلى وسط باريس، فها هي واحدةٌ من خمسِ دولٍ تتحكمُ اليومَ في مصيرِ العالم كله.

 

زملائي الأعزاء.. لندركْ جميعًا أنّ أصلَ مشاكلنا وجذرَ صراعاتنا اليومَ هو صراعُ الثقافة والفكر، ولو عَرفت النخبةُ السياسيّـة اليمنيّـة أي مجْـدٍ تحمل، وإلى أي تاريخ تنتسبْ لما جنتْ على نفسِها ووطنها بتصرفاتٍ رعناء وسلوكيّات حمقاء، حتى لا ندري ما ذا ستكتبُ عنها الأجيالُ القادمة. غابت ثقافةُ الجمهورية، فتخلقتْ ثقافةُ الإمامة، وغابتْ ثقافة الوحدة فتخلقتْ ثقافة الانفصَال. ومن هنا علينا أن نبدأ معركة الفـكر، ونِـزَالَ الثقافة بعد أن فشل السياسيون في معاركهم السياسيّة، وأجْـزمُ أنّ مفعولَ الكلمة يفوقُ مفعولَ البندقيّة، وإن كان بطيئا.

 

شوطُنا فوق احتمال الاحتمال فوق صبر الصبر لكن لا انخــذال

نغتلي، نبكي على من سقطوا إنمــا نمضــي لإتمـــام المجــــــال

دمُـنا يهـمــي علـى أوتــارنـا ونغـنّـــي للأمــــانـي بانفـعــــــــال

مُــرّةٌ أحــزانُـنـــا؛ لكنهــــــا ــ يا عذاب الصبر ــ أحزانُ الرجال

 

أخوكم/

ثابت محمد الأحمدي

عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين

read-PDF

كتابات



آخر إضافات الموقع



كاريكاتير



صفحتنا على الفيس بوك

للأعلى