drawas

mohammad-almagramy.jpg

فيما كان العام السادس الهجري يودع أيامه الأخيرة، و يستقبل العام السابع كانت رسائل الرسول صلى الله عليه و سلم مع رُسله في طريقها إلى ملوك العرب و العجم، يدعوهم فيها إلى الإسلام، ومن بينهم كسرى فارس و قيصر الروم.

    كل الرسل عادوا سالمين بعد أن بلغوا رسائلهم إلى من قصدوهم، إلا ماكان من أمر الحارث بن عمير الأزدي، الذي كان يحمل الرسالة إلى ملك غسان : شرحبيل بن عمرو الغساني، الذي تجبّر وقتل رسول رسول الله.

    كان هذا الاعتداء الأرعن من ملك غسان سببا لغزوة مؤتة في العام الثامن للهجرة، وكانت غزوة مؤتة سببا لغزوة تبوك التي جرت في شهر رجب من العام التاسع للهجرة.

    فقد قدّر الروم أن هناك خطر يتهدّدهم من المسلمين، فأخذوا يفكرون بغزو المدينة المنورة، الأمر الذي دعا الرسول لاستنفار المسلمين لمنازلة الروم و معاجلتهم إلى محل سيطرتهم.

  فكانت غزوة تبوك التي هي آخر غزوة غزاها الرسول صلى الله عليه و سلم .

  و لم تكن غزوة تبوك كسابقاتها من الغزوات، لا مكانا، و لا مشقة ، إضافة إلى أنها كانت في أيام قيظ و حر، و موسم قطف الثمار، و أما المكان فقد كان مكانا قصيا بالنسبة لما سبقها من غزوات، وأما المشقة، فتمثل إلى جانب بعد المسافة -  700 كم عن المدينة - شحة الإمكانات، و قلة المال، ومواجهة دولة ( هي الروم ).

  حشد المصطفى صلى الله عليه و سلم أكثر من ثلاثين ألف مقاتل لهذه المعركة، و على غير عادته في التورية و التمويه عن المكان الذي يريده في الغزوات السابقة، فقد بين للمسلمين في غزوته هذه المرة مقصده وهدفه، ليعدّوا و يستعدوا ؛ لبعد المسافة و حجم قوة العدو .

  أبرزت هذه الغزوة روح الجاهزية، و مدى الانضباط و الطاعة - فلم يكن الذين تخلفوا عن المعركة غير ثلاثة، و لا اعتبار لتخلف المنافقين - كما أظهرت سماحة  البذل، و صدق الإنفاق ، وفي المقابل أسقطت أقنعة الزيف، و عرّت المنافقين .

  لقد كانت ساعة العسرة بحق ! فحين تطول المحن، تنكشف الحقائق ؛ بين مواقف تثبت، وأخرى تزول، وبين إرادات تصمد، وأخرى تخور : ( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون).

  أما روح الجاهزية و الإقدام فقد كانا مثالين حيين، وعملا ميدانيا، ومبادرة ظاهرة، يوم أن لبى المسلمون نداء الرسول، و غالب بضعة نفر التردد، ثم عزموا ؛  فاستحق الجميع توبة الله عليهم ورضوانه : ( لقد تاب الله على المؤمنين والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم).

  احتشدت الصفوف، و لبت النداء، و هبّت تعدّ و تستعد للخروج إلى ملاقاة الأعداء .

   وأما البذل و الإنفاق، فقد تجلّى بوضوح، و تجسد بأفعال، فأبو بكر  يأتي بكل ماله، وعمر يأتي بنصف ماله، و عثمان ينفق، ثم ينفق، ثم ينفق، حتى يسمع الصحابة يومها، و نسمع نحن، وتسمع الدنيا، وكل من عليها إلى يوم الدين، مدح النبي لعثمان :( ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم).

  وينفق العباس، و ينفق عبد الرحمن بن عوف.. و آخرون، حتى إن الرجل ليأتي بالأوساق من التمر ، و منهم من جاء بالمدّ.. و كلها عند الله تجارة لن تبور !

  ويومها سقطت أقنعة، و تعرّى النفاق و انكشف .لقد اتخذ المنافقون من الظروف الصعبة والشاقة، التي تزامنت مع الغزوة ، مادة إعلامية بائسة ؛ للانتشار في أنحاء المدينة ؛ للتخذيل ، والتثبيط، والتخويف، حتى لكأن لسان حالهم يقول : هذه ليست معركتنا، هذه معركة محمد و أصحابه فقط !

   وراحوا يبلبلون : لا تنفروا في الحر .. لا تدفعوا أموالكم .. لا تظنوا أن قتال الروم كقتال العرب .. كيف تتركون ثماركم وقت الحصاد ؟ إلى آخر ما هنالك من بلبلة و إرجاف .  و لكم كانوا - وقد تخلفوا عن الركب - يٌمنّون أنفسهم أن تصلهم الأخبار بهزيمة المسلمين.

   روح التشفّي حالة مرضية تحوّل الإنسان إلى كتلة حقد، إنها لا تكون إلا عند نفسيات معلولة، ونوعيات مصابة بأدواء نفسية .

   كان صف المسلمين محصنا من الحرب الإعلامية ، و كانت إشاعات المرجفين تصطدم ببناء وثيق ، و سور متين ، تتحطم عندها دعايات المغرضين، و أقاويل المبطلين . فيما مضى الرسول الكريم ؛ بجيشه جيش العسرة بعزم و إقدام حتى بلغ غايته، و حقق هدفه ، فقد تراجع الروم ومن معهم من العرب المتنصرة، إذ تحاشوا الصدام مع المسلمين.

   وانطوت ساعة العسرة؛ ليحل محلها تمكين ظافر، و نصر مبين، أكد معه المسلمون حضورهم على طول الجزيرة العربية و عرضها، و رسخوا أقدامهم بثبات و يقين، و الله غالب على أمره في كل وقت وحين .

read-PDF

كتابات



آخر إضافات الموقع



كاريكاتير



صفحتنا على الفيس بوك

للأعلى