drawas

454x140

yt26

ytt26

 

أوان التسوية الشاملة في اليمن

abdulrasheed al faqihمصير ملايين اليمنيات واليمنيين مرهون بتحمل كافة الأطراف مسؤوليتها التاريخية من أجل وقف تفاقم الأوضاع الإنسانية في مختلف مناطق اليمن. 
إن أحد العوامل الرئيسية المشتركة بين كافة الأزمات التي يُكابدها ملايين اليمنيات واليمنيين، في كل شبر من اليمن، يتمثل في عدم تقديم أي طرف من الأطراف أنموذجاً حياً لمشروع دولة القانون والعدالة والمواطنة والنزاهة والإدارة الجيدة، ولو بالحدود الدنيا، بل على النقيض من ذلك، تسلطت على الناس طبقات الأوليغارشية (سلطات الأمر الواقع)، بممارسات سوء الإدارة والفساد والإثراء غير المشروع والمُحاصصة والعنف والقمع والترويع، بعد أن تموضعت في جيوب مرفهة، تختلف كُلياً عن حياة عموم الناس الخاضعين لسلطتها، بصورة أفقدت صُناع قرارها القدرة على إدراك المستويات الخطيرة التي بلغتها الأزمات التي باتت تعصف بالملايين، وعلى إدراك السُبل اللازمة للتصدي لها ولمعالجة آثارها.  
لقد تفاقمت الأوضاع الإنسانية، في مختلف مناطق اليمن، وقد بلغت خلال النصف الأول من عام 2025 مستويات غير مسبوقة، حيثُ يرزح ملايين اليمنيات واليمنيين تحت طيف واسع ومتنوع من الأزمات، في ظل اتساع دائرة الفقر، وانخفاض مستوى دخل الفرد إلى أدنى مستوى، وانقطاع المرتبات، وتدهور قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية في أجزاء واسعة من اليمن، وانهيار الخدمات العامة، مثل الكهرباء، المياه، التعليم، الصحة، والأمن والعدالة، واستشراء الفساد المالي والإداري، وتوسع الجبايات، واستمرار تقليص المساعدات الإنسانية، وانهيار الإقتصاد الوطني، واستهداف القطاع المصرفي، وبيئة الأعمال والإستثمار، وتفجير المزيد من بؤر العنف، وحملات الإعتقالات، واستمرار الإنتهاكات، بالإضافة إلى استهداف وتدمير مرافق البنية التحية الحيوية المدنية.
وقد تفاقمت الأزمات الإنسانية في كافة مناطق اليمن في ظِل تباري كافة الأطراف على امتداد سنوات الحرب بممارسات تقويض الإقتصاد الوطني، والتي عمدت إلى الإستثمار الخاص في اقتصاد الحرب على حساب الإقتصاد الوطني العام، وإذكاء الصراع في القطاع المصرفي الطبيعي، لصالح شركات الصرافة، واستهداف رأس المال الوطني بهدف إزاحته وإحلال رأس مال طُفيلي موال كبديل، وخلق بيئة طاردة للإستثمار، وصولاً إلى تأسيس بُنى وهياكل خاصة موازية بديلة عن المؤسسات والبُنى والهياكل القانونية، فيما نُذرت الأوعية الإيرادية لشبكات من الثقوب السوداء، ونُذرت آليات الإنفاق للهدر والتبديد والإثراء غير المشروع، بالتوازي مع تعطيل آليات الرقابة والمحاسبة، مع تكريس مناخ القمع والترويع تجاه أي أصوات ناقدة.
ومن دون التقليل من  الوقائع  والتطورات والسياقات خاصة كل تطور وكل ملف على حده ومسؤولية كل طرف عن أدواره وسياساته وممارساته وكل منطقة من مناطق اليمن، فإن كل أزمة في أي منطقة في اليمن مرتبطة شبكياً بسلسلة من الأزمات الأخرى التي تخلقت وتناسلت من رحم حالة الحرب ورضعت من أثداء الصراع، وتستفحل كل يوم كخلايا سرطانية فتاكة، مُستعصية على كل المهدئات الموضعية والمؤقتة، طبقاً لتجارب عقد كامل، من المكوث في براثن حالة الحرب والصراع وفخاخها ودواماتها وأزماتها.
ومع تصاعد الأزمات، لجأ قادة كافة أطراف في اليمن إلى سلوك النعامة، ودسوا رؤوسهم في التراب، وعلى كل اختلافاتهم، فقد تطابقوا في سلوك تجاهل معاناة ملايين اليمنيات واليمنيين، وتجاهل استغاثاتهم، والتنصل عن مسؤولية مآلات الأوضاع العامة، وعن مسؤولية القيام بواجبات خلق سُبل حلها، وفي إلقاء المسؤولية على شماعة الطرف المقابل أو على عوامل أخرى، وفي اختلاق معارك إلهاء عبثية، عوضاً عن تحمل المسؤولية، والمبادرة إلى دراسة وفهم تلك الأزمات، وبحث سُبل حلها، وعن القيام بالخطوات اللازمة لإنهاءها ومعالجة كل آثارها. 
ومع التأكيد على أهمية أي خطوات إصلاح جدية في أي جزء من اليمن، من قبل أي طرف، فإنه لا يمكن تجاهل أن أثر تلك الخطوات على حياة ملايين اليمنيات واليمنيات في ذلك الجُزء من اليمن سيبقى محدوداً، فضلاً عن أثره على حياة ملايين اليمنيات واليمنيين خارج نطاق ذلك الجزء، وأن معالجة كافة الأزمات وإنقاذ جميع اليمنيات واليمنيين مرهون بقرارات كافة الأطراف بإنجاز تحول جِذري يؤمِن أُسس معالجة استراتيجية ومُستدامة وشاملة لكافة جذور عنقودية الأزمات، في كامل نطاق المشهد الوطني، بهدف الإسهام في تحسين جودة حياة كل يمنية ويمني دون استثناء بغض النظر عن موقعه الجُغرافي. 
لقد حان الوقت لتتوقف قيادات كافة الأطراف اليمنية أمام المعاناة الرهيبة لملايين اليمنيات واليمنيين للمراجعة، وتحمل المسؤولية التاريخية، بالتحرر من جدران العزل السلطوية التي تحول بينها وبين أنين واستغاثات اليمنيات واليمنيين، وإدراك معاناتهم الرهيبة، والتوقف عن المقامرة بمواصلة إهدار المزيد من الوقت داخل محرقة الحرب والصراع والتشرذم، والتحرك المسؤول فوراً من أجل إنجاز تسوية وطنية شاملة، تُنهي حالة الحرب، وتعالج مفاعيلها الخطيرة على كافة المستويات، وتُعيد اليمن إلى مسارات مشروع دولة القانون والعدالة والمواطنة والنزاهة والإدارة الجيدة، ومسارات التنمية والإستقرار وإعادة الإعمار والسلام، وآليات مُكافحة الفساد والإثراء غير المشروع. 
إن مصير ما يزيد عن ثلاثين مليون يمنية ويمني، متوقف على ما ستقرره قيادات الأطراف المختلفة.
ومع التأكيد على مسؤولية الأطراف اليمنية، الأصيلة والثابتة، عن هذه الحرب الكارثية، وعن مآلات الأوضاع الإنسانية في اليمن، وعن فشلها عن إدارة مناطق سيطرتها والقيام بواجباتها تجاه حياة عموم اليمنيات واليمنيات تحت سلطتها، وفي إدارة علاقاتها بمحيطنا الإقليمي وبالعالم، من المهم كذلك التأكيد على مسؤولية الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها دولتي السعودية والإمارات، تجاه ممارسات الأطراف اليمنية المدعومة منها وعن أدوارها الكارثية في تعقيد المشهد، وتجاه الأوضاع الإنسانية المُتفاقمة في مناطق سيطرتها وفي عموم اليمن، سواء خلال سنوات الحرب، أو خلال مرحلة الهدنة وتوقف العمليات الحربية المباشرة، أو في مرحلة تأمين خروجها من مسرح الحرب، تمهيدا لإعادة تموضعها في موقع جديد من معادلة المشهد في اليمن، وحتى إنهاء الحرب وتحقيق السلام وإرساء دعائم الإستقرار، باعتبار السعودية والإمارات أطرافاً أساسية في الحرب لسنوات، أولاً، وكأطراف مؤثرة على عدد وازن من الأطراف المحلية وداعمة لها، ثانياً، وكأطراف إقليمية ذات مصلحة في إنهاء الحرب وإرساء الإستقرار في اليمن والمنطقة، ثالثاً. 
لقد كان إعلان التوصل إلى اتفاق الهدنة الموقع في إبريل/نيسان 2022، وتفاهمات إيقاف العمليات العسكرية المُباشرة، واستمرارها في وجه العواصف حتى اليوم، أهم تحول بناء في مسار الوضع في اليمن، على طريق إيقاف الحرب وتحقيق السلام، منذُ اندلاع النزاع في اليمن أواخر العام 2014، رغم تعثر الكثير من الخطوات اللازمة للبناء على ذلك المُنجز وتلك الفُرصة غير المسبوقة في متاهات بيروقراطية لا تستوعب تأثيرات مزاج التحولات الإقليمية والدولية المُتسارعة على الأزمات حول العالم.
فمن أوكرانيا وانعكاساتها على السياسة الأمريكية خلال إدارة بايدن في المنطقة إلى هجوم السابع من أكتوبر إلى حرب غزة وتداعياتها في المنطقة إلى التصعيد في البحر الأحمر وتداعياته بالإضافة إلى عوامل أُخرى، رُهن الوضع في اليمن إلى حالة (اللاحرب واللاسلم)، ليعود الملف مجدداً إلى مسارات إدارة الأزمة عوضاً عن مسارات حلها.
من المهم التذكير الان، أن يمن الحرب الذي بات اليوم محض مُشكلة مُعقدة وثقيلة بالغة الكُلفة، ما هو إلا حصيلة عقود من رهن اليمن لمنظور إدارة الأزمة في مستويات تكتيكية، تعامل خلالها أصحاب المصلحة العديدون مع التشوهات البنيوية والهيكلية بالمُسكنات الموضعية والمؤقتة، عوضاً عن الإستثمار في بناء الدولة كحل لها، بجزء يسير من كُلف عقود من التسكين ومن كُلف الحرب الحالية بكل أبعادها، وما لم يتم البدء فوراً بالإستثمار في عملية سلام  شاملة ومستدامة، وفي بناء دولة حديثة، كحل استراتيجي، فإن كُلف النُسخة القادمة من المشكلة اليمنية الكارثية، على المستوى المحلي والإقليمي، ستكون أضعاف أضعاف ما تتطلبه عملية البناء المنشودة وعوائدها المأمولة لجهة المصالح المشتركة، ولجهة الأمن القومي.
لذا، تقع على عاتق السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، مسؤولية المبادرة بقيادة جهود إنقاذ اليمن من دوامة الأزمات الخطيرة، والبدء ببناء آلية مؤسسية إقليمية فعالة، يُناط بها تحريك مسار التسوية السياسية في اليمن، وإنجاز معالجة كافة التشوهات البنيوية والهيكلية والسياسية، في إطار إنجاز تسوية شاملة، تنقل اليمن من حالة الحرب إلى مسارات السلام والتعافي وإعادة الإعمار والتنمية والإستقرار، بالشراكة مع كافة الأطراف اليمنية، وبتنسيق مع المجتمع الدولي، كحكومات، وكمؤسسات وهيئات ووكالات، على غِرار خُطة مارشال في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية.
إن الإستثمار في بناء آلية مؤسسية إقليمية فعالة لقيادة جهود السلام في اليمن ليس فقط مُتطلباً مُلحاً لجهة إنجاز عملية السلام المنشودة، كسبيل لمعالجة الأزمات الإنسانية المتفاقمة في مُختلف المناطق اليمنية، باعتبارها مصلحة وطنية يمنية، وحسب، بل إنه أيضاً مُتطلباً أساسياً مُلحاً بذات القدر كاستثمار لجهة الأمن القومي السعودي، وطموحات المملكة الإستراتيجية، ولجهة الأمن القومي الخليجي، والأمن القومي الإقليمي، كاستثمار في المستقبل، كآلية تعمل من منظور أصحاب المصلحة (المحليون والإقليميون) في الأزمة اليمنية، يُناط بها خلق مسار بناء للمساهمة في صياغة مُدخلات جيوسياسية مراعية للمصالح المشتركة، وإعادة الوضع في اليمن إلى سياقه الإقليمي الطبيعي، وقطع طُرق الإستقطاب والتوظيف في التحولات الإقليمية والدولية، وهو مُتطلب إجرائي مُلح توجبه حالة الموات التي تعيشها الآليات الدولية والإقليمية التقليدية مثل (الأمم المُتحدة والجامعة العربية)، وفي إنتكاسة اليمن والكثير من الأزمات الأُخرى ما لا يُحصى من دروس وعِبر مخاطر الركون على تلك الآليات ومخاطر عدم وجود آليات عمل فعالة.

 

* نائب رئيس منظمة مواطنة للحقوق والحريات

كاريكاتير