صدر مؤخرا كتاب "نظرية السؤال .. تبصير في الاستنهاض الحضاري" للباحث اليمني الدكتور طارق أحمد علي مريش.
ويعد هذا الكتاب أول أطروحة تتناول "السؤال" كنظرية لها أفكار ورؤى وتصورات وتفسيرات مترابطة مع بعضها، وفق دراسة بحثية تعتمد على المنهج الوصفي والتحليلي والاستنباطي، وتستند إلى أكثر من مائة مرجع ومصدر علمي.
كما يعزز هذا الكتاب إرساء ثقافة السؤال في مختلف ميادين العلم والمعرفة وساحات التأمل والتفكير، والنهوض الحضاري، ومساحات الاتفاق والاختلاف.
صحيفة "اليقين أونلاين" الإلكترونية، ارتأت أن تسأل صاحب نظرية السؤال الدكتور طارق مريش، وخرجت بالحصيلة التالية:
حاوره/ عبدالله مصلح
- بداية كيف بدأت فكرة كتاب "نظرية السؤال .."؟
* فكرة الكتاب مرّت بمرحلتين؛ مرحلة غير مباشرة ومرحلة مباشرة .
المرحلة غير المباشرة كانت من خلال تكويني المعرفي والثقافي على يد والدي رحمه الله تعالى إضافة إلى المطالعة المعرفية والمتابعة الثقافية التي شكلت تساؤلات عدة متمحورة حول كيفية النهوض وسؤال التحرر وسؤال السيادة والسعادة والهوية .. أسئلة تعتلج في الذهن وتدور دون وقوف على محطة البدء لمترو السير إلى هذه السؤالات والإجابات.
أما المرحلة المباشرة فكان بدؤها منذ عام 2021م، حين وُضع بين يدي سؤال عن أحاديث نبوية يبدو عليها ظاهريًا طابع التعارض والتناقض، منها ما يحث على السؤال، ومنها ما يمنع السؤال، وطُلب مني المشاركة بإجابة بدراسة توضح المعضل الدلالي بحيث ينجلي هذا الإشكال وينتفي ذاك الإعضال المعرفي، فكانت فكرة نظرية السؤال في طور التوليد والتنفيذ .
- كم الفترة الزمنية التي استغرقتها لإنجاز هذه الدراسة؟
لا شك أن أي دراسة جادة تهدف إلى فك مشكل علمي تتطلب منهجًا وهيكلًا تنظيميًا بحيث ينسجم بناؤه الهرمي في مبناه ومعناه، فكان المنحى الزمني لهذا البناء العلمي ما يزيد عن عامين للوفاء بحق المنهج العلمي، حتى يكون في ثوب جديد، وجودة معتبرة، بحسب المتاح المستطاع، إذ الإجابة عن مشكلة السؤال كانت محركًا بحثيًا لتوسيع أهمية السؤال ونظريته وعلميته وعمليته في مسلك التثاقف وتدوير عجلة النهوض بالمعارف الذي يعقبه التمكين والتأمين لمطلوبات الحياة والدين.
- ماذا عن عنوان الكتاب "نظرية السؤال" ولماذا لم يكن على سبيل المثال "ثقافة السؤال" أو "أهمية السؤال"؟
الثقافة والأهمية والنظرية مفردات لها مدلولات تتلاقى في جزء وتتنافى في جزء آخر، فالأهمية مثلًا تنصب على المكانة والاهتمام للشيء، ولا شك أن الحديث عن موضوع علمي أو معرفي بحثًا أو قولًا له شأن واهتمام عند صاحبه على الأقل إن لم يكن عند الجميع، وبما أن الأهمية متضمنة في الدراسة وداخلة فيه؛ فالعنونة بها تكرار وزيادة اعتبار لا داعي له بنظرنا.
أما الثقافة فمصطلح شائع شائك عند العلماء والباحثين يعرفه البعض بالمعتقدات والمعارف والإجراءات والسلوكيات، أو مجموعة من الصفات والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد، ويعرفه البعض بأنه ترجمة إجرائية وخطوات عملية للمعتقدات والأفكار والعادات، وهو من هذه الناحية جانب إجرائي بعد التشبع والتربي على هذه القيم والمعتقدات والمبادئ، بينما النظرية مصطلح حديث متشعب يعود في أصله إلى النظر بالرؤية والفكر والقلب، بصر وبصيرة ، ومجال للتفكير في شيء لعدم وضوحه، ينطبق على المناهج وعلى التربية وعلى العلوم التطبيقية والإنسانية والاجتماعية والفلسفية، فهي في أوجز تعريفاتها: دراسة تتعلق بعموم موضوع من بيان مفهومه وأركانه وشروطه وموانعه وآثاره التطبيقية.
لهذا لما كان مفهوم الثقافة معتقدات وأفكار وسلوك وإجراء بهذا العموم والشمول الكبير لم يكن انطباقه على السؤال بالنسبة لي مجسدًا للمقصود المحدود في هذه الدراسة، ولما كانت الأهمية شأنا ومكانة واهتمامًا داخلة في نفس عرض الموضوع وبحثه لم يكن هناك داع للعنونة بها. بينما النظرية العائدة إلى جذر النظر والتفكير والرؤية والتأمل لموضوع معين إما لعدم وضوحه وإما لتجاهله والجهل به، فكان بيان مفهومه وأركانه وشروطه وموانعه وآثاره واستشرافه وتطبيقاته من خلال عنونته بالنظرية.
والمكونات التي قام عليها الكتاب أو تشكلت منها النظرية هي أربع مكونات مثلت جوهر الدراسة بناءً وتكوينًا، فكانت متصلة ومكملة لبعضها، على النحو الآتي:
المكون الأول: تنظير للسؤال في مستواه التأصيلي.
المكون الثاني: تنظير للسؤال في مستواه التعقيلي.
المكون الثالث: تنظير للسؤال في مستواه التفعيلي.
المكون الرابع: تنظير للسؤال في مستواه الاستشرافي.
فحين تم البناء على هذا النحو المنضبط علميًا، المتصل معرفيًا، المتسلسل عقليًا وواقعيًا، كان العنوان بالنظرية أليق وأدق في البيان والبرهان، وذلك من خلال مشورة بعض الأخوة من طلاب العلم وأهل المعرفة الذين اقترحوا علي أن يكون عنوان الدراسة نظرية السؤال اتساقًا مع مضمونها، وسبقًا واستحقاقًا في عنوانها، وكان هذا حسب تقديري وجهدي فيه سبق علمي وفكري في مضانه.
- هل ثمة فرق بين السؤال وبين التساؤل؟
كل هذه المصطلحات والمترادفات مرجعها الجذر اللغوي (سأل) فالسؤال والتساؤل والمساءلة حراك تنوع الوسائل، ووسائل تحصيل النتائج ذهنيًا وعقليًا ومعرفيًا.
أما الفرق بين السؤال والتساؤل :
التساؤل: هو سؤال يكون بطريقة تفكيرية بين الشخص ونفسه (ذاته) تأملًا وإطلاق خيال. وهو تفاعلٌ ومُشاركةٌ يستوي فيها الفاعلونَ، فهم في سؤال بعضهِم بعضًا سواءٌ، لأنّهم يَجهلونَ ما حلّ بهم من خَطبٍ أو مجهولٍ. فنقول: تَساءلَ القومُ، وتساءلَ الرجلان، وتساءَلَت الطّائفَتان، ومنه قول الله تعالى: « عَمَّ يَتساءَلونَ ».
أما السؤال فهو من طرف لطرف آخر، ويأتي بطريقة مباشرة وشكل صريح.
وكان اختيار العنوان للسؤال دون التساؤل تقصُّدا للصراحة والتصريح وتطلُّبا للقيام به من عموم المتعلمين والباحثين والمثقفين، ليُكوِّن حراكًا عامًا غير مقتصر على فئة دون أخرى، فالموقف والحال المعاصر يتطلب استنفارًا في السؤال من كل الأفراد وفي كل المواقع وجميع التخصصات وعموم المطلوبات، إذ الحمل ثقيل والإرث أثقل، انفروا خفافًا وثقالًا بالسؤال والجواب والوقوف على مكامن التحدي والاستجابة والتحضر والتمكين.
المدخل المعرفي والعلمي والثقافي هو المحرك الأول لعجلة النهوض، والدافعية الأهم لمشوار التقدم المادي والروحي على حد سواء.
- من خلال عنوان الدراسة يلاحظ الربط بين نظرية السؤال والاستنهاض الحضاري، لماذا؟
كان سؤال النهضة والاستنهاض والانعتاق من حالة الضعف والسكون الحضاري في عالم التدافع والتنافع والترافع مركزيًا على ألسنة وأذهان الكتّاب والمفكرين، فاستثار حفيظة كل مهموم بقضايا الأمة مهتم بها للدلو بدلوه من زاوية استثارة المعرفة والوعي في الأمة علها تستنهض وتنهض.
ولذا كانت أهداف الدراسة تدعو إلى استعادة زمام المبادرة عند الأمة من خلال إعمال السؤال في مجالات قيام الحضارات ونهوضها وعلى وجه التحديد الحضارة الإسلامية، فكانت سؤالات التخلف والتراجع والتقهقر الحضاري، ويقابله سؤال النهوض والتقدم والرقي الحضاري. وهو من وجهة نظري مفتاح مهم في النهوض وإن اختلفت إجابات المفكرين والباحثين عن هذه السؤالات، ولكني ارتأيت أن المدخل المعرفي والعلمي والثقافي هو المحرك الأول لعجلة النهوض، والدافعية الأهم لمشوار التقدم المادي والروحي على حد سواء ، خصوصًا ونحن نرتكز على دين أعلى من شأن العلم وجعل مقامه مقدمًا في تحصيل مقاصد الدين ومنافع الدنيا.
"نظرية السؤوال .. كتاب تأسيسي توصيفي توضيحي تحفيزي لكل العلوم والفهوم، وبالأساس والأخص هو تربوي فلسفي.
- هل هذا الكتاب "نظرية السؤال" يندرج ضمن الكتب والمؤلفات التربوية والدعوية أو في إطار كتب الفلسفة وعلم الكلام؟ أم ماذا؟
الكتاب بطبيعة الحال مسكون بقضية الاستنهاض الحضاري، وهذا الاستنهاض يستلزم مجموعة علوم يقوم عليها هذا الاستنهاض وهي أربعة علوم تراتبيا: علوم الغيب الوحي، ويقال عنها اختصارًا علم الأديان. ثم العلوم الاجتماعية والإنسانية، ويشار إليها بعلوم العمران. ثم العلوم النظرية الفلسفية، ويرمز لها بعلوم البرهان. ثم العلوم التطبيقية، ويطلق عليها تغليبًا بعلوم الأبدان.
ولو نظرت لهذه العلوم بمنظار تأسيسي لتبين لك أن مفتاح حصولها بقاء ونماء وارتقاء هو السؤال والاستشكال، وبالتالي الكتاب تأسيسي توصيفي توضيحي تحفيزي لكل العلوم والفهوم، وبالأساس والأخص هو تربوي فلسفي.
- بالنسبة للقراء الذين لم يتمكنوا من الحصول على الكتاب، هل بالإمكان تلخيص مضمون الكتاب في عبارات موجزة؟
باختصار الكتاب يتكون من أربعة مكونات::
المكون الأول: تنظير السؤال في مستواه التأصيلي، يتحدث عن مراحل تكون السؤال من منظور الوحي (القرآن والسنة) ومنظور التاريخ، فكان له حضور فاعل في هذه المرجعية والمصدرية .
المكون الثاني: تنظير السؤال في مستواه التعقيلي، يبحث عن دور العقل والتعقل والبرهنة في توليد التساؤل وتنمية التشاكل والإشكال حول القضايا المعرفية والعلمية.
المكون الثالث: تنظير السؤال في مستواه التفعيلي، يرصد تاريخ الفاعلية التي راكمها علماء المسلمين في كل مجالات العلوم وبرزوا عمالقة فيها، حتى شيدوا الحضارة الإسلامية العتيقة العريقة.
المكون الرابع: تنظير السؤال في مستواه الاستشرافي، يدعو ويحث على رفع مستوى الافتراض المستقبلي لقضايا العلوم والحضارة والبحث عن الحلول والمعالجات التي تستبق حصول المعضلات، وهو علم عريق بدأ يأخذ فاعلية أكثر في رسم أهدف وخطط الدول والحضارات، وقد كان له وقع وموقع في تراثنا الفقهي وهو سؤال الافتراض، إلا إنه لم يكن علمًا متشكل الملامح والخطوات والمناهج والمدارس والمفاهيم والمصطلحات، فبدأت ملامحه تتكشّف اليوم وتنمو حتى أصبح علمًا مهما في مشوار الحضارات ومضمار النهوض والتموقع الريادي المعاصر.
- قلت في نتائج الدراسة إن حركة السؤال في مجريات الحياة تتشكل بين السؤال المفروض والمرفوض، ولكليهما مساحة الجلب والسلب في معيار المصالح والمفاسد، ماذا تقصد بذلك؟
يقول علماؤنا الأقدمون الذين أصّلوا العلوم وقعدوا للفهوم: إن التزاحم بين النصوص والتشريعات والقوانين يستوجب حلولًا لهذا التعارض والتزاحم، حيث نصوص تحذر من السؤال، ونصوص أخرى تأمر بالسؤال تجعل الحليم والفهيم حيران في الأمر، فكيف يمكن التوفيق والتحقيق بين الأمرين والتحقق منهما؟! وهو سؤال ملح في مناهج النظر والتحليل وقواعد الاجتهاد والتأصيل، أورده علماؤنا الأجلاء وفقهاؤنا الفضلاء في تراثهم الأصولي، قاعدة تعتبر حَكَمًا وفيصلًا في الأمر، هي: قاعدة الجمع أو الترجيح أو النسخ بين الأمرين، فكان الاسترشاد بها في هذا الأمر للإجابة عن موطن الأمر ومكمن التحذير، على قاعدة الجمع بينهما من حيث التحذير عن السؤال في مواطن الغيبيات والسمعيات التي محملها التسليم والانقياد، والأمر بالسؤال في مواطن التعامل والحياة وبناء الحضارة، فكان النهي عن السؤال مصلحة لسلامة التدين من مفاسد التشكك والارتياب، وكان الأمر بالسؤال مصلحة لبناء وارتقاء الحضارة والعقول والإنسان ، وهنا جاء التعبير في الخاتمة بما ذكرته في سؤالك .
النهي الإلهي عن السؤال في مواطن الغيبيات التي محملها التسليم والانقياد، والأمر بالسؤال في مواطن التعامل والحياة وبناء الحضارة
- هناك من يقول بأن العلوم الحديثة التي توصل إليها الإنسان البشري اليوم، كانت في الماضي تندرج ضمن علم الغيب، وأصبحت اليوم من علم الحاضر، فكيف يتم التفريق بين علم الغيب الذي لا يمكن أن يعلمه الإنسان وبين العلوم الحديثة الاستكشافية والاستشرافية التي يمكن أن يتوصل إليها الإنسان؟
أولًا هناك غيبان: غيب مطلق وغيب نسبي، الغيب المطلق: ما لا قدرة للعقل البشري على علمه واستكشاف حقيقته، واستكناه الوصول إليه. وما لا قدرة للعقل على إدراكه والوقوف على حقيقته فحقه الشرعي العقدي الإيمان به والتسليم القلبي الروحي والفكري به، فهو مما استأثر الخالق بعلمه، والذي أغلقت أمامه كل أبواب المعرفة على حقيقته. أما الغيب النسبي: فهو مما يدخل فيه بعض قضايا الكون والحياة والأشياء التي يمكن الاطلاع عليها والمعرفة بها، حيث تُكتشف مع تطور العلوم والأدوات والإمكانات. لذا كانت كثير من النصوص التي تتحدث عن البحار والأرض وأجرام الكون مظنة غيب عند علمائنا السابقين، فتحدثوا فيها من بنية اللغة وبيان الدلالات، أما بنية الواقع وماهيتها، فلم تدركها عقولهم وأصبحت اليوم ممكنة المعرفة وانكشفت حقيقتها، وقد انبرى ما يسمى بالإعجاز العلمي لبيان هذا الكشف من خلال القرآن والسنة.
أما علم الاستشراف: فهو علم يهتم بدراسة مقدمات أحداث الماضي والحاضر للوصول بهذه الدراسة إلى تقريب أحوالها المستقبلية وتقدير مآلاتها المصلحية.
فعلم الاستشراف أو علم المستقبليات أو حتى علم التخطيط، كل هذه المسميات تعد من العلوم التي لا تعارض بينها وبين علم الغيب المطلق، ولا علاقة لها كذلك بالتنجيم والخرافات؛ وإنما علم مبني على أسس وضوابط إدارة الأسباب والمسببات، وإتقان وإحكام المقدمات.
وهذه العلوم تعد من نفحات الشريعة السمحة التي تراعي كنه فطرة الإنسان المتطلعة لمعرفة المجهول، فمن خلال مثل هذه العلوم والمعارف فتح أمام عقل الإنسان أبواب الكون الفسيح للتفكير والتسخير في حدود المقدور اتساقًا مع سنن الله الكونية والتشريعية والاجتماعية.
- يلاحظ في كتابك مسألة الربط بين ثقافة السؤال ومنهجية الحوار، فما حدود العلاقة بين ثقافة السؤال ولغة الحوار؟
لا شك أن سؤالات العلم والعلماء تقتضي طرفًا يوجه إليه السؤال، إما بالقول المباشر بين المتخاطبين، وإما بالبحث في كتب ومدونات التراث الإسلامي والإنساني، وهو الذي يسمى في أدبيات الباحثين مساءلة التراث والعلم والمسؤولية نحوه، ولا شك أن المساءلة والسؤال تتطلب أدبًا في الحوار البحثي والاستدراك النقدي، وهذا الأدب أصبح علمًا يدرس ويتربى عليه المتعلمون تربية فكرية لمعرفة قوانين الاستدلال الصحيح، وتوجيه ملكات الاستعداد الفطري نحو السلوك القويم، هذه العلوم تسمى في تراثنا بعلم الجدل وعلم الخلاف، وبأدب البحث والمناظرة وعلم المنطق، وهي علوم تكسب الحوار أدبًا ونماء ورونقًا وتجعل العلوم تتوسع وتتمدد ويحصل التلاقي والتآخي والتعاون بلا تلاوم وتلاسن، وما خلت النقاشات الحوارية والمجالس العلمية من هذه العلوم والآداب إلا وكان الخصام والفشل هو السائد في الموقف، وتنقطع لغة التواصل والتفاهم وتحل لغة التدابر والتعالم، وحينئذ تنتفي بركة العلم والحلم.
- البعض قد يتساءل عن جدوى السؤال في ظل غياب حرية التعبير وحق الحصول على الإجابة (المعلومة) وهذا ما هو حاصل في معظم البلدان العربية، إن لم يكن جميعها؟
الحراك العلمي والمعرفي من أهم أهدافه ورسائله أنه يحدث حالة من الوعي ويبعث على تطلع الأفراد والمجتمعات إلى مستوى تتحرك معه ومن خلاله عجلة التحرر والنهوض، ومهما كان الوضع كما وصفت سينبعث نوع من تراكم الوعي حتى يحصل الانفراج والانبلاج لفجر جديد وتتبدد الظلمة في المعارف والعلوم والفهوم وتحصل انعطافة على مستوى المجتمع والدولة.
والوقوف على أطلال العوائق دون محاولة البحث عن شقوق وثقوب للولوج منها هو نوع من الكلل والخلل وربما الزلل الذي لا ينبغي ولا يتناسب مع رواد العلم والفكر والتربية والتحدي والبناء.
وتأتي هذه الدراسة متسقة مع الحق الطبيعي، والحق الفكري والحق الشرعي، والحق القانوني، الذي يمنح الإنسان حق السؤال وحق الرأي وحق الحصول على المعلومة والإجابة بما هو في صالح الفرد والمجتمع والدولة.
وغياب هذا الحق في فترات من التاريخ يعد طارئًا وليس ثابتًا، وسيزول مع تمدد الوعي وشيوع الثقة في الأمة الواحدة.
- هناك من يرى أن تراثنا الفقهي يزخر بثقافة الإجابات المطلقة التي لا تقبل السؤال بل تعتبره تشكيكًا وقلة إيمان لدى السائل، ما قولك في ذلك؟
لم يكن تراثنا بهذه القتامة وهذا التوصيف، بل يعد تراثنا بحرًا لا ساحل له، متنوع العلوم والفهوم بين التوسع والتوسط والتضيق في تقبل الآراء وفي تفعيل منهج الاستدراك والنقد وثقافة السؤال والسؤالات في كل العلوم دون استثناء، وهو بهذا الثراء لم يكن ولن يكون كما وصفت من ضيق الأفق وتحجر الرأي، وانقباض النَّفْس والنَّفَس، ولكنه مر بتمحيصات وتدقيقات وسجالات مدونة ومبثوثة للاطلاع.
وقد قسم علماؤنا العلوم إلى عقائد وعبادات ومعاملات، فالعقائد والعبادات في أغلبها ثوابت، والخلاف فيها توصيف الكيفيات والكميات. أما المعاملات التي هي الجنايات والمناكحات والسياسات والعلاقات فهي موطن للتغيير والتطوير والتجديد بما يتوافق ويتسق مع تجدد وتغير الدول والمجتمعات والأعصار والأمصار، لذلك التعميم دون تفصيل واستقراء جناية على التراث درج عليها المناوئون والحانقون على هذا التراث، والمزلق المشين أن يشايعهم هذا التوصيف المثقفون والمعلمون من طينتنا وبني جلدتنا، لهذا كانت (نظرية السؤال) مهمة في مضمار البيان والبرهان على هذا التقسيم والتوصيف الذي بينته آنفًا.
الوطن العربي بشكل عام يعاني من المناهج التي لم تكن بالمستوى اللائق والسائق لبناء جيل يحمل روح الثقافة والتجديد والتحضر
- في توصيات كتابك دعوت المؤسسات التعليمية إلى اعتماد أسلوب السؤال ومنهجية التفكير في المناهج التعليمية، فكيف تنظر إلى مناهجنا اليوم من حيث المحتوى؟
لاشك أن المناهج التعليمية لها خبراؤها وكل دولة تحدد المطلوبات والكفايات والأهداف التي تريد تحقيقها وتعكسها على الأجيال في المناهج حتى يتبنوها ويحققون أهدافها، والوطن العربي بشكل عام يعاني من المناهج التي لم تكن بالمستوى اللائق والسائق لبناء جيل يحمل روح الثقافة والتجديد والتحضر والانطلاق من هويته ومضمون تراثه، ومقتضيات استخلافه، لذا كانت التوصيات لأهل الاختصاص والمسؤوليات سد هذه الثغرة بإعداد مناهج تربوية وتعليمية تعمل على بناء جيل نابه ناصع، وناقد نافع، يتمتع بالكفايات والمهارات المنشودة، يثمن وجوده واستخلافه ويقاوم الضياع والتميع الذي يراد له من دوائر العداء والأعداء، وهذه قضية مهمة وفي غاية الأهمية، بحيث مالم يكن هذا البعث المنهجي التربوي المعرفي متحصلًا في وجوده، وقائمًا على أصوله، وسامقًا في محصوله، لن يكون هناك جيل متحرر ناهض.
فالأوطان العربية والأمة الإسلامية بشكل عام بحاجة إلى الاعتماد على عقول أبنائها وخبرائها في إعداد مناهج تتسق وهويتها بما ينسجم مع متغيرات العصر دون تضييع أو تمييع.
- ماذا بعد كتاب نظرية السؤال، أي هل هناك مشروع كتاب قادم؟
بالتأكيد هناك مشروعات علمية وفكرية قائمة تم بنيانها، وبعضها لا يزال فكرة وبعضها في وضع المخطط الهندسي له والشروع في بدايته. ونظرية السؤال لم يكن سوى فاتح ومفتتح لهذا الهمّ والاهتمام، وعلى المدى القريب إن شاء الله هناك كتاب قد تشكل وتخلق في صورته النهائية ولم يتبق له إلا المراجعة والفحص الأخير، وهي دراسة علمية وفكرية تتناول موضوعًا حساسًا بالنسبة لسلامة الاجتماع وحسن الانسجام بين الأفراد والأسر والمؤسسات ومكونات المجتمع الإنساني، وهذا الموضوع يناقش ويعمل على تأسيس أصول العلاقات الإنسانية والمؤسساتية من وجهة نظر إسلامية، إنسانية، إدارية.
- كيف للقارئ داخل اليمن أو خارج اليمن ، اقتناء نسخة من كتاب "نظرية السؤال"؟
كتاب نظرية السؤال متوفر في الداخل لدى فروع مكتبة خالد بن الوليد تقوم بتسويقه في الداخل وحسب المتاح لها في الخارج من خلال مشاركاتها معارض الكتب في البلدان العربية كما هو المتفق عليه، وسأعمل إن شاء الله على إنزال نسخته الإلكترونية قريبًا ليكون أكثر إتاحة للقراء والمثقفين.
- كلمة أخيرة تريد توجيهها.
أتوجه بالشكر الجزيل لك أستاذ عبدالله مصلح على هذه اللفتة، واللقاء الشيق، كما الشكر موصول لكل من أعان وتعاون على إخراج هذا المنتج العلمي وكل من نشر وأعلن عنه،
كما أتوجه بالطلب لكل من وصله هذا الكتاب وقرأه، أن يحسن الظن بصاحبه وأن يسدده برأيه ويقوم ما اعوج من فكره دونما قصد منه أو نزوع له، وكلي أمل أن يكون العلم رحِمًا بيننا نستظل بظله ونستدر فضله، {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}، فالكمال لله وحده، واللهَ أسأل أن ينفعني وينفع القراء بما فيه، وأن يحدث حراكًا من شأنه استعادة الاستنهاض لما فيه خير الأمة واستخلافها الطيب.
المقالات الاقدم:
- صنعاء تعلن صرف نصف راتب لجميع موظفي القطاع العام - 2024/09/03
- إضرابات طلابية وعمالية بمحافظة حضرموت - 2024/09/03
- مسلحون يغتالون شيخا قبليا أمام منزله في يافع بمحافظة لحج - 2024/09/03
- القسام ترعب أهالي الأسرى الإسرائيليين وتخرجهم للشوارع ضد نتنياهو - 2024/09/03
- قوات صنعاء تعلن استهداف سفينة جديدة في البحر الأحمر - 2024/09/02
أحدث المقالات - من جميع الأقسام:
- د. طارق مريش لـ"اليقين أونلاين": كتاب نظرية السؤال يستحث الأمة لاستعادة النهوض الحضاري - 2024/09/03
- رئيس الهيئة العامة للكتاب بصنعاء لـ"اليقين أونلاين" : التشكيك في ديواني البردوني مكايدة سياسية ونحن وثقنا كل شاردة وواردة - 2023/01/11
- تحدث عن قابلية الحديدة للاشتعال ومغادرة كاميرت.. تفاصيل ما قاله غريفيث لصحيفة الشرق الأوسط - 2019/01/29
- وزير الخارجية: الوحدة اليمنية الاندماجية انتهت ولا يمكن أن تعود - 2017/02/05
- في حوار صحفي : الرئيس هادي يفتح ملفات الماضي والحاضر! - 2017/02/03
مقالات متفرقة:
- د. عيدروس النقيب - عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني- لـ(اليقين): نرفض تكرار غزو الجنوب ونحذر من عواقبه المهلكة لمن يفكر فيه - 2015/03/04
- ياسر الرعيني لـــ"اليقين": لا يوجد أي تعثر للحوار ولا زلنا في الفترة الزمنية حسب النظام الداخلي - 2013/11/08
- د. عبدالرحمن بافضل لـ(اليقين): الحوثي وصالح وراء محاولة انقلاب السقاف على هادي في عدن - 2015/03/08
- الشيخ عبدالوهاب الحميقاني لــ(اليقين): نقطة انطلاق القاعدة أبين مسقط رأس الرئيس ووزير دفاعه والاتهامات الموجه ضدي كيدية - 2014/01/04
- النائب علي عشال لـ(اليقين): الرئيس التوافقي سيكون حاضراً في المشهد الانتخابي القادم - 2013/10/14
المقالات الأكثر قراءة:
- منظمة الصحة العالمية : 10 آلاف قتيل و60 ألف جريح حصيلة حرب اليمن - 2018/12/10 - قرأ 127288 مرُة
- اليمن .. معركة جديدة بين قوات هادي والحراك الجنوبي في شبوة - 2019/01/09 - قرأ 26980 مرُة
- غريفيث لمجلس الأمن: هناك تقدماً في تنفيذ اتفاق استوكهولم رغم الصعوبات - 2019/01/09 - قرأ 26266 مرُة
- إقرأ صحيفة اليقين الإلكترونية - 2013/11/04 - قرأ 23090 مرُة
- تبادل عشرات الأسرى بين إحدى فصائل المقاومة اليمنية والحوثيين في تعز - 2016/06/01 - قرأ 20718 مرُة



