drawas

top banner demo1

سلطات الأمر الواقع في اليمن .. انعدام الشرعية والمشروعية

abdulrasheed al faqihفي مسار التطور الحضاريّ الإنسانيّ، أصبحت السلطة وظيفة منوطًا بها مهام خدمة الناس مع خضوعها للتدقيق والمحاسبة، وتستمد السلطات ابتداءً في النظم الحديثة شرعيّتَها من الناس، ولأجل حيازة تلك الشرعية صُمِّمت الآليات الرامية للحصول على أصوات الناس كمصدر لشرعية السلطات والأنظمة، إذ تعد الشرعية عملية اجتماعية وسياسية بطبيعتها، حيث تتنافس مختلف القوى لإقناع الناس ببرامجها، وبجدارتها وكفاءتها لخدمتهم، ومهما بلغت نسبة الأصوات التي أوصلتها لكرسي الحكم، تظلّ محكومة بمحدّدات العقد الاجتماعي، وخاضعة للرقابة والتقييم، لتعود خلال سنوات محددة بتشريعات الحوكمة الحديثة إلى الناس للتّحقُّق الدوري من مدى رضاهم عن أدائها من عدمه لتجديد شرعيتها أو نزعها عنها، حيث لا سلطة مُطلقة، لا سُلطة مؤبدة.

ومنذ أمد بعيد لم تكن اليمن بمعزل عن هذا التطور الحضاري، فقد ناضل زعماء الحركة الوطنية في الجنوب والشمال للتحرُّر من الاستبداد وبناء دولة حديثة يكون الشعب هو مصدر السلطة وشرعيتها، ولتحقيق ذلك تأسس نظامان جمهوريّان في الجنوب والشمال كإحدى ثمار ثورتَي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، ليأتي العقد الاجتماعي "دستور" الجمهورية اليمنية المُعلنة في 1990 معزّزًا ومفصّلًا لمضامين دولة الناس، وكافلًا لحقّهم في التداول السلمي للسلطة من خلال الآليات الديموقراطية والتعددية السياسية، وتتمثّل أبرز تلك المضامين في: المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتعددية السياسية والثقافية، وحرية التعبير.

وعلى الرغم من السلبيات والاستدراكات الوجيهة حول تجربة نظام دولة الوحدة والإشكالات التي رافقت مسيرته ، والشروخ العميقة التي أحدثتها حرب صيف 94، إلا أن الثابت هو كفاح اليمنيات واليمنيين من أجل بناء دولة مؤسسات حديثة، بشتى الوسائل والآليات الديموقراطية السلمية، والذي لم ينضب يومًا، سعيًا لتعزيز دور دولة المواطنة المنشودة.

في 21 سبتمبر 2014، استحوذت جماعة "أنصار الله" المسلحة على العاصمة اليمنية صنعاء، بالقوة المسلحة، لتفتح بتلك المغامرة بابًا واسعًا للاحتراب والدمار، ولتقوّض ما راكمه كفاح اليمنيات واليمنيين من بُنَى مؤسسية ومسارات خلّاقة، ليأتي التحالف بقيادة السعودية والإمارات في 26 مارس 2015، في دور مكمل لما بدأته جماعة الحوثيين، التي جرّت معها مختلف الأطراف اليمنية لسباق التقويض والهدم والاقتتال.

لقد صنعت مقامرات المتحاربين ، على مدى ثمان سنوات ، بالإضافة لتصوّراتهم الأنانية والمشوّهة، من اليمن بلدًا بلا دولة، ولو بالحدِّ الأدنى لشروط الدولة.

وفقدت مختلف الأطراف بممارساتها، منفردةً ومجتمعة، شرعيةَ حيازة السلطة وَفقَ الطرق الدستورية والقانونية والأخلاقية، ناهيك عن فشلها في اكتساب المشروعية من خلال الممارسة العملية بتحقيق الصالح العام لعموم الناس (بأن تكون كل تصرفاتها وقراراتها محكومة بالقانون ومستهدفة للمصالح العليا للمجتمع).

يُعرف الفقيه الدستوري الفرنسي، مونتسيكيو، في كتابه (رُوح القوانين)، الشرعية والمشروعية، بأنّها "قَبول الناس الطّوعي بالهيئة الحاكمة، ويتمثّل هذا القَبول في تفويضهم لها برعاية مصالحهم وحماية حقوقهم وحرياتهم الأساسية، وفي مقدمة تلك الحقوق: المحافظة على أمنهم وكرامتهم وإقامة العدل بينهم"، ويضيف: "فإذا لم تقُم الهيئة الحاكمة بمسؤولياتها القانونية والإنسانية والأخلاقية، بشكلٍ يلمسه الناس في حياتهم اليومية، تفقد تلك الهيئة أساس مشروعيتها، ويصبح المجتمع في حِلٍّ من طاعتها، وذلك بصرف النظر عن مدى مشروعية وصولها إلى السلطة من الناحية الإجرائية".

إن التدقيق في وضع مختلف الأطراف من الناحية الإجرائية، يمكن بيُسرٍ التوصّلُ لخلاصة مفادها فقدان جميع الأطراف للشرعية، رغم جهودها الترقيعيّة المكشوفة لتعديل حالة الانعدام البين للشرعية، ولو على المستوى الشكلي، أضف إلى ذلك فشلها في اكتساب المشروعية من خلال إنجاز الصالح العام لعموم الناس وحماية حقوقهم وحرياتهم وصيانة كراماتهم، بل تعمل جميع الأطراف ضدًّا على المصالح العامة للناس، حيث تعمد لتحقيق تصوّراتها الجماعاتية الضيّقة المتناقضة جذريًّا مع الصالح العام.

تأسيسًا على ما سبق، فقد أمست اليمن واليمنيّات واليمنيّين رهينة لانتداب سلطات أمر واقع، تتخادم في أدوارٍ وظيفية لتحقيق مصالح رُعاةٍ إقليميين، تتقاطع تصوّراتهم لمصالحهم ومصالح كلاءهم ،ضداً على مصالح عموم اليمنيين. حيث يتأسّس وجود سلطات الأمر الواقع في مختلف المناطق اليمنية على قوة السلاح الذي يتغذّى من خلال حبل سُريّ مع أطراف الصراع الإقليميّ وعلى نقائض وأنقاض المشروع الوطني الجامع.

وفوق ذلك، تتبارى سلطات الأمر الواقع على فنون الجباية والفساد والإفساد والطغيان والإثراء غير المشروع، وخلق الشروخ في جدران السلم العام، والمباعدة بين اليمنيين وبين إرثهم المُراكم في حقّهم بدولة المواطنة وسيادة القانون التي ينشدونها جيلًا بعد جيل ، غير آبهة للمعاناة والعذابات التي تتسبب بها ممارساتها الطائشة واللامسؤولة تلك ، للملايين من اليمنيات واليمنيين .

ومع تطابق أداءات مختلف الأطراف، وعجزها جميعًا في تقديم نموذجٍ مُختلف حامل لمشروعٍ وطنيّ ناضج، يتلاشى أثر الاعتراف والدعم الدوليّ والإقليميّ لأيٍّ منها، سيما في تعديل حقيقة حالة تلبس كافة الأطراف وتساويها في الفقدان الذاتي والموضوعي والإجرائي والقانوني للشرعية والمشروعية، ولاختبار ذلك يمكن الاستدلال بموقف الرئيس السلال حين جاء إليه أحد قيادات ثورة سبتمبر، يُبشره مبتهجاً عقب نجاح الثورة  باعتراف أمريكا بالجمهورية، فرد الرئيس السلال ببداهته وتلقائيته: "الأهم أن تعترف بنا أرحب " ، وهي جُملة على قصرها ، ففيها دلالة عميقة على إدراك مبكر لأهمية ارتباط أي سلطة بالشعب وقضاياه ومصالحه ورضاه ، كأساس متين لشرعيتها ووجودها.

رغم الهاوية السحيقة التي دفعَت الأطرافُ باليمن إليها، إلا أن الناس باتت تُدرك جيداً أن الشرعية هي فضيلة المؤسسات السياسية، وشيمة قراراتها المتعلقة بالصالح العام، والتزامها بقوانيين ومبادئ العقد الاجتماعي. تنتج الشرعية تحولات جوهرية على البنى الاجتماعية، بما في ذلك جعل الدولة والنظام الاجتماعي أكثر كفاءة، وأكثر توافقية، وربما أكثر عدلاً.

إلى ذلك؛ ما يزال عموم اليمنيّات واليمنيين في مختلف المناطق، تواقون إلى وجود الدولة المدنية الحديثة، دولة الناس، دولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون والعدالة والديموقراطية، خلافًا لأوهام وخرافات المتحاربين.

 

# نقلا عن منصة خيوط

كاريكاتير