في البداية دعونا نتساءل: هل باستطاعة أي شخص أن يمثل بسلوك معين تمثيلاً لفترة طويلة من الزمن؟ هل باستطاعة أي شخص أن يظهر النزاهة والكرامة وحب الوطن لفترة تصل إلى أكثر من عشر سنين وهو يحمل صفات كامنة مناقضة لما يظهره؟ لا شك أن من سيجيب بالإيجاب باستطاعته أن يضرب لنا أمثلة تتردد على ألسنة العامة كقولهم (صلِّ له يقرب) أو (تمسكن حتى تتمكن) أو قول الشاعر (صلّى وصام لأمر كان يطلبه.. لما قضى الأمر لا صلّى ولا صامَ ).. إلخ.
وبالتأكيد أن من سيجيب بالنفي سيجد أمامه الكثير من الأمثلة المؤيدة لرأيه مثل (من شاب على شيء شاب عليه) و (تعلمت لم أدركت إلا طبيعتي .. ولو كان لي في كل يوم معلما) وهلم جرّا.
والمشكلة أن هناك من يؤمن بالمقولات المتوارثة التي تؤيد وجهة نظره ويتناسى المقولات التي تؤيد وجهة نظر الآخرين، ليس هذا فحسب، بل أن الفرق الدينية المتناقضة تجد لها أدلة من القرآن الكريم وصحيح السنة؛ فعندما اختلف الإمام علي بن أبي طالب مع معاوية بن أبي سفيان كان كل منهما يستشهد بالقرآن وبحديث المصطفى، ومثلما جرى في تلك الأيام ما يجري في أيامنا هذه في سوريا واليمن والعراق وليبيا وتونس ومصر. فلكل شخص أو فرقة أو حزب محب وكاره، حتى المطر على ما يقولون فله محب وكاره، وبالتالي لا قلق من أن يجد الإنسان الذي يفوح وطنية من ينتقده.
أقول هذا بعد أن كانت قد تكونت لديَّ فكرة سلبية متأثرة بأقوال الصحف والقنوات عن تغيّر سلوك الأستاذ صخر الوجيه منذ استلامه لحقيبة وزارة المالية، فالرجل هذا الذي وجدناه يعبّر عن وجهة نظرنا تحت قبة البرلمان لمدة ثمان سنين زائد سنتين، أصبحت بعض وسائل الإعلام تقلّل من نزاهته على كرسي وزارة المالية، وتتهمه أنه ليس سوى منفّذ لأوامر غيره، وأن البنك المركزي على وشك إعلان إفلاسه، وأن النزاهة وكلمة الحق التي كان يظهرها في مجلس النواب ما هي إلا وسيلة تخلى عنها عندما أصبح وزيراً، فكم صبّت تلك الوسائل من سمومها حتى أنها كانت تبث إشاعات ليست ضد صخر الوجيه فحسب، بل إنها تجعل المواطن يفقد الثقة في اقتصاد بلده، فقد كانت تعلن أن المستثمرين وأصحاب الحسابات البنكية يتسابقون على سحب أرصدتهم من البنوك حتى لا يجدوا أنفسهم وقد عجزت تلك البنوك عن سداد مستحقاتهم، نعم فقد تفرغت تلك الوسائل لتشويه سمعة هذا الرجل الذي اعتدنا أن الذي كنا نريد أن نقوله على منبر مجلس النواب نجده يقوله دون أي تواصل بيننا وبينه، لهذا عندما كنا نسمع الإذن بالكلام للنائب صخر الوجيه نستبشر ونترقب لنسمع ما سيقوله، بل لنسمع ما نريد أن نقوله نحن، فقد كان يعبر عما نريد أن نقوله ولم يخيب ظننا ولا مرّة واحدة. فهل يعقل أن ذلك الصوت الوطني إنما كان يعمل بقول القائل (صلّى وصام لأمر كان ... إلخ)؟
أنا شخصياً لا أقول هذا جزافاً، فلي معه تجربة أخرى في إطار الحوار الوطني، الذي تبناه المشترك في سنة 2008، والذي تلخصت مخرجاته في رؤية الإنقاذ الوطني، فقد كان صخر الوجيه هو ذلك الذي يطرح رأيه بشجاعة ولا يهتم بما تقوله وسائل الإعلام، بل أجزم أنه لم يكن يقرأ أي صحيفة ولا يتصفح أي موقع إلكتروني، ولم يكن حتى يهتم بالتواصل مع أي شخص بالهاتف لكسب موقفه، فهو صاحب رأي وطني صادق يطرحه ولا يهمه من يؤيده فيه ولا من يعارضه، أقصد أنه لم يكن يمهد لكسب من يؤيد رأيه قبل أن يطرحه، حتى أن زملاء لنا كانوا ينتقدون صراحته ويتهموه بأنه لا يعرف السياسة التي تتطلب المراوغة والكلام الذي ليس له تفسير واضح واللّف حول القضية دون المساس بها، والحقيقة أن هذه الصفة الواقعية هي إحدى مميزاته.
وفي هذه الأيام نشاهد حملة شرسة تشنّ عليه، منها ما تقوم بها قوى متضررة منه، ومنها ما يقوم بها زملاء له في مجلس الوزراء، ومنها حملة يقودها مقاولون فاشلون أغرقوا اليمن في مستنقع الفساد، فكل أوجه الفساد عادة تأتي من أيدي المقاولين الفاشلين الذين يغطون فشلهم بدفع ما يسمونه تسهيل معاملة، وكما قلت أنني رغم معرفتي بنزاهة صخر الوجيه وصراحته كنت قد تأثرت بما تقوله وسائل الإعلام عن تغيّره، وظل التأثير ذلك حتى سمعته وشاهدته في قناة اليمن، فقد كانت كلماته البلسم الذي أعاد الثقة في صخر وفي الاقتصاد الوطني، لقد كانت كلماته كعصا موسى التي لقفت ما يأفكون، حينها فقط أدركت أن صخر الوجيه هو ذلك الحرّ النزيه الكفؤ، الذي عرفناه من قبل وطنياً مخلصاً لوطنه، والذي لا يمكن أن تُغيّر من مبادئه التي جُبل عليها لا سلطة ولا جاه، والذي أعجبني أكثر في تلك المقابلة هو أن الرجل أصبح ملماً بمهام وزارة الملية، أو بالمالية العامة بشكل أدق، فرجل الصواريخ أصبح رجل محاسبة ورجل اقتصاد يُركن عليه، يعرف أثر زيادة كمية النقود المتبادلة في السوق على قيمة السلع والخدمات، وبالتالي على سعر الصرف الذي لم يتغير منذ توليه حقيبة المالية، وهذا هو أهم ما يجب على أي وزير مالية أن يعرفه، فإذا عرفه حدّ منه، وإذا استقر سعر الصرف أمِنَ رجل الأعمال على رأس ماله، وإذا أَمِنَ رجل الأعمال على رأس ماله استطاع أن يشغله في السوق المحلية، فيؤدي ذلك إلى استقرار سعر العملة أكثر وزيادة ثقة المواطن فيها.
الذي نعرفه أيضاً أن صخر الوجيه قد رفض تنفيذ بعض الأوامر الفوقية التي لو نفذها لأضرت بالاقتصاد الوطني، ساعده على ذلك أن من يصدر إليه تلك الأوامر غير قادر على تغييره بحكم أنه يمثل طرف آخر من أطراف التسوية السياسية، وهذه هي نقطة الضعف التي كان يرضخ لها بعض الوزراء السابقين. وبرضوخهم يتم تدمير الاقتصاد الوطني لإرضاء أشخاص ليس لهم علاقة بالوطن إلا من ناحية سلبية.
صخر الوجيه كذَّب في مقابلته من كان قد بث في أوساط المجتمع أنه سلّم للبنك المركزي عشرات المليارات لتغطية مرتبات موظفي الدولة.. صخر الوجيه كذب من اتهمه بتبديد أموال الدولة عن طريق مصلحة شؤون القبائل.. صخر الوجيه خلّص خزينة الدولة من فارق الأرباح الكبيرة التي كانت تدفع مقابل أذون الخزانة دون أن يؤثر ذلك على كمية العرض والطلب لوسيلة الدفع هذه.. صخر الوجيه كانت كل كلمة قالها تبعث الطمأنينة في ذهن المشاهد بأن لا خوف على اقتصادنا الوطني من الزاوية التي هو فيها.
صدقوني أن صخر الوجيه قد أذلّ كبار الفاسدين حتى تلك القيادات التي كانت تأكل باليدين، فقد أصبحت تشكو من قطع مخصصاتها من أمانة أو مكتب رئاسة الجمهورية.
وإذا كانت لنا من ملاحظات على ما جاء في تلك المقابلة فهي ملاحظتان فقط، الأولى حول دفع علاوات موظفي الدولة، فالذي نعلمه أنها لم تدفع لهم سوى علاوات سنة 2012 فقط فيما علاوات ست سنوات سابقة وسنة لاحقة لا زالت أمانة في ذمة وزارة المالية. أما إشارة الوزير إلى ما يتعلق بتجميد معاشات شؤون القبائل عند الرقم الذي اعتمد قبل سنتين فرغم أنه عمل يُحمد عليه إلا أننا نريد هنا أن نلفت انتباهه إلى أن معاشات شهر ديسمبر من كل عام لا تدفع منذ أن تولاها رئيسها الحالي، وهنا نعتقد أن سكوت وزارة المالية عن فساد ظاهر بهذا الحجم الكبير يثير الريبة، خاصة أن هذا الفساد يتم تحت سمع وبصر مندوبي المالية بهذه المصلحة.
بقي القول أن الذي نريد من الوزير صخر الوجيه أن يوجه اهتمامه نحوه أكثر هو مخصص الاعتمادات ذات الرقم الواحد، أي غير المبوبة في الميزانية العامة، وبالذات الاعتمادات المركزية باسم قيادات الدولة، فهذه المخصصات في نظرنا ما هي إلا بؤرة فساد في فساد، تستخدم في تنمية الفوارق بين الطبقات، لأنها تصرف في أشياء غير منتجة ولأشخاص طفيليين اعتادوا على الارتزاق من هذه المخصصات، بل إن منها ما يصرف لقطاع الطرق ومختطفي السوّاح ومفجري أنابيب النفط والغاز وخطوط التيار الكهربائي، نقول هذا ونحن نعلم أن صخر غير منتظر لتنبيهنا له، وإنما من باب إشعاره بأن شرفاء الوطن معه في سدّ هذه البؤرة المدمرة لمبدأ العدالة الاجتماعية والحكم الرشيد.
والخلاصة أن صخر الوجيه وإن كانت له أخطاء بسيطة تفرضها كثافة العمل فإنه لا زال في نظر المجتمع وهو على كرسي المالية كما كان في منبر مجلس النواب، ذلك الصوت الحر والفعل الوطني النزيه الذي لا يخاف لومة لائم، وأن آمالنا لا تزال معلقة عليه في استمرار إصلاح النظام المالي الذي دمرته سلطة الفساد خلال ثلث القرن الماضي، ولو كان الأمر لنا لاخترناه رئيساً لمجلس الوزراء بحكم أنه صاحب قرار ومشروع كبير لا يتردد في تنفيذه، ولا تتساقط دموع الضعف من عينيه.
رئيس الدائرة الإعلامية بحزب الحق
المقالات الاقدم:
أحدث المقالات - من جميع الأقسام:
مقالات متفرقة:
المقالات الأكثر قراءة:
- منظمة الصحة العالمية : 10 آلاف قتيل و60 ألف جريح حصيلة حرب اليمن - 2018/12/10 - قرأ 127250 مرُة
- اليمن .. معركة جديدة بين قوات هادي والحراك الجنوبي في شبوة - 2019/01/09 - قرأ 26949 مرُة
- غريفيث لمجلس الأمن: هناك تقدماً في تنفيذ اتفاق استوكهولم رغم الصعوبات - 2019/01/09 - قرأ 26234 مرُة
- تبادل عشرات الأسرى بين إحدى فصائل المقاومة اليمنية والحوثيين في تعز - 2016/06/01 - قرأ 20681 مرُة
- المغرب يكشف عن "تغير"مشاركته في التحالف - 2019/01/24 - قرأ 17913 مرُة



